في شبام، حيث تحفظ الجدران الطينية حكايات أجيالٍ مضت، وتبقى صلات الناس أعمق من المسافات، حملت مؤسسة الرناد للتنمية الثقافية من تريم تحية محبة ووفاء إلى واحد من أبناء الذاكرة الحضرمية؛ الصحفي والكاتب والباحث علوي عبدالله بن سميط.
وزار الأستاذ أحمد كرامة باحمالة، رئيس المؤسسة، والأستاذ أحمد صالح الرباكي، المدير التنفيذي، امس الأربعاء 16 سبتمبر 2026م بن سميط في منزله بمدينة شبام، للاطمئنان على صحته إثر العارض الصحي الأخير الذي ألمّ به، في زيارة لم تكن مجرّد واجب اجتماعي، بقدر ما كانت لقاءً بين رفاق دربٍ يجمعهم الإيمان بأن الثقافة تبدأ من الإنسان، وأن ذاكرة المدن لا تُصان إلا بأبنائها.
فما بين تريم وشبام ليس طريقًا يصل مدينتين، بل خيطٌ قديم من العلم والثقافة والتجارة والعلاقات الاجتماعية، ظل ممتدًا عبر الزمن وفي كل لقاء بين أبناء المدينتين شيء من تلك الذاكرة يعود إلى الحياة؛ ذاكرةٌ لا تعرف الحدود التي ترسمها الطرق، بقدر ما تعرف ما جمعته الأيام من محبة ومعرفة ووفاء.
ويحمل علوي بن سميط في مسيرته أكثر من خمسة عقود من الحضور في المشهد الإعلامي والثقافي الحضرمي فمنذ سنوات الدراسة الأولى ارتبط بالإذاعة المدرسية، ثم مراسلًا لإذاعة سيئون منذ عام 1976م، قبل أن تتسع تجربته في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وصولًا إلى ارتباطه بصحيفة الأيام منذ صدورها بعد عام 1990م، وتدرجه فيها حتى أصبح محررها الأول في وادي حضرموت.
ولم يكن الإعلام بالنسبة إليه مهنة فحسب؛ فقد ظل قريبًا من التوثيق والتصوير والبحث في تاريخ شبام وحضرموت وتراثهما، إلى جانب اهتمامه بالخط والرسم والكتابة الأدبية، والعمل الثقافي والاجتماعي. كما عمل في الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية، وتولى فيها رئاسة قسم الدراسات والتوثيق ثم إدارة العلاقات العامة والإعلام، وظل طوال هذه المسيرة شاهدًا ومشاركًا في توثيق تحولات المكان والإنسان.
وترك بن سميط عددًا من الكتابات والأبحاث حول العادات والتراث وتاريخ شبام، ومن إصداراته كتاب شبام المدينة المسورة ، وكتاب شبام.. انطباعات الأجانب بالاشتراك مع عبدالله بن حازب، إلى جانب مشاركات محلية وعربية ودولية في ندوات وفعاليات تناولت التنوع الثقافي والتراث والعمارة والمدن التاريخية.
وكانت محطات تكريمه ومشاركاته امتدادًا لهذا الحضور؛ من بينها حصوله على المركز الأول في مسابقة الصحفيين والإعلاميين التي نظمها مشروع الاتحاد الأوروبي في اليمن عام 2003م، ومشاركته في فعاليات وندوات خارجية، فضلًا عن إسهاماته في العمل الرياضي والثقافي والخيري، وترؤسه منتدى شبام الثقافي الاجتماعي، وعضويته في اتحاد أدباء وكتاب الجنوب.
وفي هذا اللقاء، بدت شبام كأنها تستقبل تريم في بيت أحد أبنائها، وبدا الحديث عن الصحة والذكريات والمدن والتراث امتدادًا طبيعيًا لعلاقة أقدم من المؤسسات وأبقى من المناسبات؛ علاقةٍ صنعتها حضرموت الواحدة حين كانت المعرفة والوفاء جسرًا بين مدنها.
وفي ختام الزيارة، عبّر بن سميط عن بالغ امتنانه لهذه اللفتة، وما حملته من مشاعر صادقة، متمنيًا استمرار جسور التواصل بين أبناء حضرموت ومؤسساتها الثقافية، فيما حملت إدارة الرناد معها أمنيةً بسيطة وعميقة: أن تستعيد قامةٌ بحجم علوي بن سميط عافيتها، ليظل صوته حاضرًا بين صفحات الصحافة وذاكرة شبام وحكايات حضرموت .