تضع تهديدات مليشيا الحوثي الإرهابية لمصر، على خلفية توجه القاهرة لتقديم دعم دفاعي للسعودية، الأمن القومي المصري أمام اختبار إقليمي يتجاوز حدود التضامن السياسي مع الرياض، ليطال حماية المصالح الاستراتيجية المصرية في البحر الأحمر، وتأمين أحد أهم شرايين التجارة الدولية والاقتصاد المصري، وسط مخاوف من تحول التوتر القائم إلى مواجهة عسكرية أوسع.
وسلط تحليل نشرته مجلة المجلة الضوء على التداعيات المحتملة للموقف المصري، محذراً من أن تعامل الحوثيين مع أي دعم دفاعي مصري للسعودية باعتباره إعلان حرب يكشف استعداد الجماعة لتوسيع دائرة التهديدات، ونقل المواجهة من نطاق الصراع اليمني والخليجي إلى حسابات الأمن الإقليمي، بما يضع القاهرة أمام خيارات معقدة بين حماية مصالحها وتجنب الانجرار إلى حرب جديدة.
وجاءت تهديدات القيادي الحوثي محمد علي الحوثي، الصادرة في 27 أكتوبر الماضي، عقب تفويض البرلمان المصري الرئيس عبدالفتاح السيسي بتقديم دعم دفاعي للمملكة العربية السعودية، في تطور يعكس انتقال القاهرة من الاكتفاء بالمواقف السياسية والدبلوماسية إلى إبداء استعداد أكبر للمساهمة في حماية أمن حليفها الخليجي، في ظل تصاعد التهديدات التي تواجه المنطقة.
وتبرز أهمية هذا التحول عند مقارنته بسياسة القاهرة منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، إذ تجنبت مصر الانخراط العسكري المباشر في التصعيد الإقليمي، بما في ذلك الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر، رغم انعكاساتها الاقتصادية المباشرة على قناة السويس وتراجع عائداتها. وفضّلت القاهرة آنذاك احتواء التوتر عبر الاتصالات السياسية والدبلوماسية، وتفادي فتح جبهة جديدة في منطقة تعاني أصلاً من تعدد بؤر الصراع.
لكن استمرار التهديدات الحوثية وتوسع تداعياتها يضعان هذه السياسة أمام اختبار متزايد، خصوصاً أن أمن البحر الأحمر لم يعد مسألة مرتبطة بحركة السفن وحدها، بل بات جزءاً من معادلة الأمن القومي المصري، بالنظر إلى موقعه الجغرافي وأهميته الاقتصادية وارتباط استقراره بأمن شبه الجزيرة العربية.
البحر الأحمر.. من ممر تجاري إلى ساحة نفوذ وصراع
يرى تحليل المجلة أن أهمية الدعم المصري للسعودية تتجاوز الالتزامات السياسية والعلاقات الثنائية بين البلدين، لتتصل بحسابات استراتيجية أوسع، في مقدمتها منع تحول السواحل اليمنية الخاضعة لنفوذ الحوثيين إلى منصة لتعزيز الحضور الإيراني بالقرب من الممرات البحرية الحيوية.
فسيطرة الجماعة على أجزاء واسعة من الساحل الغربي لليمن، وما يصاحبها من تهديدات متكررة للملاحة الدولية، تمنح طهران، وفق هذه القراءة، ورقة ضغط مؤثرة في واحدة من أكثر المناطق حساسية للتجارة العالمية. كما أن استمرار هذا التهديد يضع مصر أمام مخاطر لا تتوقف عند تراجع حركة الملاحة في قناة السويس، وإنما تمتد إلى احتمال تغير موازين النفوذ والترتيبات الأمنية في محيط البحر الأحمر.
وتتضاعف هذه المخاوف في ظل تحديات إقليمية أخرى تواجه القاهرة، بينها التحركات الإثيوبية في المنطقة، والحضور الإسرائيلي المتنامي في إقليم أرض الصومال، وهي تطورات تفرض على مصر إعادة تقييم البيئة الأمنية المحيطة بها، وعدم التعامل مع التهديد الحوثي باعتباره أزمة منفصلة عن بقية التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو الدعم الدفاعي المصري للسعودية مجرد استجابة لطلب حليف، بل خطوة ترتبط بمحاولة منع اتساع النفوذ الإيراني على الضفة المقابلة للبحر الأحمر، والحفاظ على توازن إقليمي يحول دون تحول الممر البحري إلى أداة ابتزاز سياسي وعسكري.
مخاطر نقل المواجهة إلى الأراضي المصرية
في المقابل، لا يغفل التحليل الكلفة المحتملة لأي انخراط عسكري مصري مباشر في مواجهة الحوثيين، محذراً من أن الجماعة قد تلجأ إلى توسيع نطاق ردودها لتشمل منشآت ومصالح مصرية حيوية، مثل الموانئ والمطارات ومستودعات الطاقة والمواقع السياحية، وهو ما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاقتصادي وثقة المستثمرين، حتى قبل الوصول إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وتكشف هذه الاحتمالات عن خطورة التهديد الحوثي، إذ لم تعد الجماعة تلوّح باستهداف المصالح المرتبطة مباشرة بالخصوم داخل اليمن أو السعودية، بل باتت تستخدم خطاب التصعيد لتوسيع نطاق الضغط على دول ترتبط مصالحها الحيوية بأمن البحر الأحمر.
كما أن أي مواجهة مباشرة قد تضع مصر أمام حرب متعددة الأطراف، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والخليجية والإقليمية، وتفرض عليها استنزافاً عسكرياً واقتصادياً في وقت تواجه فيه تحديات داخلية وضغوطاً اقتصادية تجعل كلفة الانخراط في صراع مفتوح أمراً بالغ الحساسية.
ولا تقتصر تداعيات هذا الخيار على الجانب العسكري، إذ قد يؤدي إلى إرباك المسار الدبلوماسي الذي عملت القاهرة على بنائه مع طهران خلال السنوات الماضية، وإضعاف قنوات الاتصال التي تتيح لها التأثير في الملفات الإقليمية. كما قد يقلص قدرتها على أداء دور الوسيط في أي تسوية محتملة للصراع بين الحوثيين والسعودية.
معادلة صعبة.. الحياد لم يعد بلا كلفة
وتضع هذه المعطيات القاهرة أمام معادلة استراتيجية شديدة التعقيد؛ فالتراجع عن دعم السعودية أو الاكتفاء بموقف سياسي محدود قد يترك المجال أمام استمرار التهديدات التي تمس أمن البحر الأحمر والمصالح المصرية، بينما قد يؤدي الانخراط العسكري المباشر إلى فتح جبهة جديدة، وتوسيع دائرة المخاطر، وتقليص هامش المناورة الدبلوماسية المصرية.
وتكمن المعضلة في أن الحوثيين يستفيدون من اتساع نطاق التهديدات لفرض معادلة ضغط إقليمية، تجعل الدول المطلة على البحر الأحمر أو المرتبطة بأمنه أمام خيارات مكلفة، سواء اختارت المواجهة أو فضّلت تجنبها. وهو ما يمنح الجماعة قدرة على التأثير في حسابات دول تتجاوز حدود اليمن، ويكشف أن تداعيات سيطرتها العسكرية ونشاطها المسلح لم تعد محصورة في الداخل اليمني.
وتبرز هنا مفارقة أساسية: فالقاهرة تسعى إلى حماية أمن السعودية والبحر الأحمر من دون التحول إلى طرف مباشر في حرب مفتوحة، فيما تحاول الجماعة تصوير أي مساهمة دفاعية في حماية المملكة باعتبارها عملاً عدائياً يستوجب الرد. وبهذا الخطاب، تسعى إلى توسيع تعريف المواجهة، بحيث يصبح دعم أمن الملاحة أو مساندة دولة مهددة سبباً للتلويح باستهداف مصالح دول أخرى.
وتكشف التهديدات الحوثية عن حجم المخاطر التي يفرضها استمرار عسكرة البحر الأحمر وتوظيفه في الصراعات الإقليمية، كما تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أكبر في حماية الملاحة الدولية ومنع استخدام الممرات البحرية أداة للضغط والابتزاز. فالمسألة لم تعد تتعلق بموقف مصر من السعودية فحسب، بل بقدرة دول المنطقة على منع تحول البحر الأحمر إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ الإيراني.