جاءت التصريحات الأخيرة لزعيم جماعة الحوثي، عبد الملك الحوثي، لتجدد التأكيد على طبيعة العلاقة التي تربط الجماعة بإيران، ولتكشف بصورة أكثر وضوحًا حجم التنسيق السياسي والعسكري الذي يحكم تحركات الجماعة ضمن ما يعرف بـ"محور المقاومة"، بعيدًا عن أولويات اليمنيين الذين يرزحون تحت وطأة حرب طويلة وأزمة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
ففي خطاب ألقاه بمناسبة ما تسميه الجماعة "يوم الولاية"، أعلن الحوثي أن جماعته في حالة "جهوزية كاملة" لمواجهة أي تصعيد محتمل، مؤكداً وجود "تنسيق تام" مع حلفائه في المنطقة بشأن التطورات المرتبطة بفلسطين ولبنان والتحركات الأمريكية في الشرق الأوسط.
ولم تمر هذه التصريحات باعتبارها مجرد موقف سياسي عابر، بل جاءت بعد يوم واحد فقط من تهديدات أطلقها قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني، تحدث فيها صراحة عن إمكانية تحويل مضيق باب المندب إلى ساحة ضغط مشابهة لمضيق هرمز، في رسالة فسّرها مراقبون على أنها تلويح إيراني باستخدام جماعة الحوثي كورقة ابتزاز جديدة ضد المجتمع الدولي وتهديد أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ويرى مراقبون أن تزامن التصريحات بين طهران وصنعاء لم يكن مصادفة، بل يعكس مستوى عالياً من التنسيق بين الطرفين، ويؤكد أن الجماعة لم تعد تخفي ارتباطها بالمشروع الإقليمي الإيراني، خصوصاً مع تأكيد الحوثي نفسه استمرار التنسيق الكامل مع الحلفاء الإقليميين في مختلف التطورات العسكرية والسياسية.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ظل تصاعد المخاوف الدولية بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. فخلال الأشهر الماضية، تسببت الهجمات الحوثية على السفن التجارية في اضطرابات واسعة بحركة الملاحة الدولية، وأجبرت شركات شحن عالمية على تغيير مساراتها وتحمل تكاليف إضافية باهظة.
ويعتقد محللون أن تهديد باب المندب لم يعد مجرد ورقة يمنية مرتبطة بالصراع المحلي، بل أصبح جزءاً من استراتيجية الردع الإيرانية في مواجهة الضغوط الغربية، وهو ما تعززه تصريحات مسؤولين إيرانيين تحدثوا مراراً عن أهمية المضيق الاستراتيجية واعتباره ورقة موازية لمضيق هرمز.
وفي الوقت الذي يرفع فيه الحوثيون سقف التهديدات الإقليمية ويعلنون استعدادهم لخوض مواجهات جديدة، يواجه ملايين اليمنيين واقعاً مختلفاً تماماً يتمثل في الانهيار الاقتصادي وتفشي الفقر واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 18 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية، في وقت تتراجع فيه فرص التعافي الاقتصادي وتتدهور الخدمات الأساسية بصورة مستمرة.
ويرى منتقدون للجماعة أن تصريحات الحوثي الأخيرة تكشف بوضوح أن أولويات القيادة الحوثية لا تنطلق من حسابات المصلحة الوطنية اليمنية، بقدر ما ترتبط بالتزاماتها داخل المحور الذي تقوده إيران. ويشير هؤلاء إلى أن الجماعة تبدو مستعدة لإقحام اليمن في مواجهات إقليمية مفتوحة قد تجر البلاد إلى موجة جديدة من الضربات العسكرية والعقوبات والاضطرابات الاقتصادية، دون اكتراث بالكلفة التي سيدفعها اليمنيون.
كما تثير هذه التصريحات تساؤلات متزايدة حول مستقبل اليمن في ظل استمرار الجماعة في ربط قرارها السياسي والعسكري بحسابات إقليمية تتجاوز حدود البلاد. فبينما تحتاج اليمن إلى الاستقرار وإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع المعيشية، تتجه الجماعة نحو تكريس دورها كأحد أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، وفقاً لما يراه مراقبون.
حذّر الناشط الحقوقي محمد أمين اليمنيين من تداعيات أي تصعيد عسكري محتمل، مشيرًا إلى أنَّ الدول التي تدخل الحروب عادة ما تسبق ذلك بإجراءات وقائية تشمل تعزيز الدفاعات الجوية وتوفير الإمدادات الأساسية والملاجئ، في حين أنَّ المواطنين اليمنيين يواجهون هذه التطورات وسط أوضاع إنسانية واقتصادية بالغة الهشاشة. ودعا أمين السكان إلى اتخاذ احتياطات شخصية، بما في ذلك تخزين المواد الغذائية والإمدادات الطبية تحسبًا لأيِّ طارئ.
ويرى ماجد المذجي، المؤسس المشارك لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أنَّ المواجهة الحالية تختلف عن جولات التصعيد السابقة التي ربطها الحوثيون مباشرة بالدفاع عن غزة. فبحسب تقديره، تفتقر هذه المرة إلى مبرر داخلي مقنع بالنسبة إلى كثير من اليمنيين، لأنها ترتبط بصورة أوضح بالدفاع عن المصالح الإيرانية أكثر من ارتباطها بالقضية الفلسطينية ذاتها.
ويذهب المذجي إلى أنَّ تدخل الحوثيين في هذه المواجهة يندرج ضمن التزاماتهم الاستراتيجية تجاه طهران، ويعكس موقعهم داخل شبكة التحالفات الإقليمية التي تقودها إيران. ومن هذا المنظور، فإنَّ القرار لا يستند بالدرجة الأولى إلى حسابات المصلحة الوطنية اليمنية، بل إلى اعتبارات تتعلق بالعلاقة بين الجماعة وحليفها الإقليمي الرئيسي.
ويخلص المذجي إلى أنَّ القيادة الحوثية قد تأخذ المزاج الداخلي في الحسبان عند إدارة شؤونها اليومية، إلّا أنَّ هذه الاعتبارات تظل محدودة التأثير عندما يتعلق الأمر بالقرارات الاستراتيجية الكبرى. ففي نهاية المطاف، تُصاغ خيارات الجماعة وفق حسابات قيادتها ورؤيتها لموقعها داخل المحور الإقليمي الذي تنتمي إليه، وليس استجابةً للرأي العام اليمني.
ويؤكد باحثون في الشأن اليمني أن الجماعة نجحت خلال السنوات الماضية في بناء منظومة سياسية وأمنية وعسكرية تستلهم النموذج الإيراني، ليس فقط على مستوى الخطاب العقائدي القائم على مفهوم "الولاية"، بل أيضاً في طبيعة العلاقة التنظيمية والاستراتيجية مع طهران التي وفرت لها الدعم السياسي والعسكري واللوجستي على مدى سنوات الحرب.
ومع استمرار التصعيد الإقليمي، تبدو المخاوف اليمنية أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فكلما ارتفع مستوى التوتر بين إيران وخصومها، تزداد احتمالات استخدام الساحة اليمنية كورقة ضغط ضمن الصراع الإقليمي، وهو ما يضع ملايين اليمنيين أمام مخاطر جديدة في بلد لم يتعافَ بعد من تداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى مراقبون أن تصريحات عبد الملك الحوثي الأخيرة لم تكن مجرد إعلان للجاهزية العسكرية، بل رسالة سياسية تؤكد مجدداً أن قرار الجماعة لا ينفصل عن حسابات طهران الاستراتيجية، وأن باب المندب والبحر الأحمر باتا جزءاً من معادلة النفوذ الإيراني في المنطقة، حتى وإن كان الثمن مزيداً من الأعباء والمعاناة على اليمنيين.