لا يمكن إنكار انتشار الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليومية، لكن السؤال المطروح هو: هل يشهد قطاع علوم الطقس والمناخ ثورة حقيقية بفضل الذكاء الاصطناعي، أم أنه مجرد تطور تدريجي يعتمد على تقنيات مدروسة؟
في البداية، قد تثير بعض الأمثلة غير الدقيقة، مثل خرائط الطقس التي تتضمن مدنًا وهمية، تساؤلات حول جدوى الذكاء الاصطناعي في هذا المجال. ومع ذلك، فإن الواقع يشير إلى أن خبراء الأرصاد الجوية وعلماء المناخ لم يتم استبدالهم بعد بمهندسي أوامر النماذج اللغوية الكبيرة. بدلاً من ذلك، يتم استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا التعلم الآلي، في هذه المجالات عبر تقنيات يدرسها الباحثون منذ سنوات، وتُعرف نقاط قوتها وضعفها جيدًا.
يشير مصطلح "الذكاء الاصطناعي" في هذه النماذج إلى التعلم الآلي، الذي يعتمد على استخدام أجهزة الكمبيوتر لتحديد الأنماط في البيانات. يمكن للتعلم الآلي التعامل مع مستويات تعقيد أعلى بكثير، واكتشاف علاقات يصعب اكتشافها يدويًا. تبدأ العملية بتدريب نموذج من الصفر باستخدام كميات هائلة من البيانات، مع وجود الإجابة الصحيحة مرفقة. على سبيل المثال، تدريب نموذج على آلاف صور الطيور المصنفة حسب النوع. ومع ذلك، فإن جودة البيانات التدريبية تلعب دورًا حاسمًا، وقد لا يتمكن النموذج من التعرف على أنواع لم يتم تدريبه عليها.
في نماذج توقعات الطقس، يتم تدريب النماذج على مجموعتين من بيانات الطقس المأخوذة بفارق زمني قصير. هذه النماذج تعمل بسرعة أكبر بكثير من النماذج التقليدية لأنها لا تحل معادلات فيزيائية معقدة في كل موقع. طورت شركات كبرى مثل جوجل وإنفيديا نماذج أولية، ويقوم الآن بعض مراكز توقعات الطقس الكبرى بتطوير نماذجها الخاصة. على سبيل المثال، بدأ المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF) في استخدام نموذجه الأول القائم على التعلم الآلي، والذي يعمل جنبًا إلى جنب مع نموذجه التقليدي.
تكمن الميزة الكبرى لهذه النماذج القائمة على التعلم الآلي في كفاءتها الحاسوبية الهائلة. يقول ECMWF إن تشغيل نموذجه التقليدي يستهلك طاقة أكبر بحوالي 1000 مرة من تشغيل نموذج التعلم الآلي، ويستغرق وقتًا أطول بكثير. هذه التوفيرات مهمة جدًا، خاصة عند تشغيل نسخ متعددة من نماذج التنبؤ لالتقاط نطاق النتائج المحتملة. وبالنظر إلى أن جودة التنبؤات جيدة، فإن هذه النماذج مفيدة للغاية.
ومع ذلك، فإن التنبؤ بالظروف الجوية العادية يختلف عن التنبؤ بالظواهر الجوية المتطرفة، والتي لها قيمة حيوية. تمامًا كما لا يستطيع خوارزمية التعرف على الطيور تحديد طائر لم يتم تدريبه عليه، يمكن لنماذج الطقس القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تفشل في التنبؤ بالظواهر المتطرفة غير الموجودة في مجموعة بيانات التدريب الخاصة بها. هذا السلوك يمثل مشكلة كبيرة لتوقعات الطقس المتطرف، ويجعلها غير مناسبة لنماذج المناخ.
في نماذج المناخ، تطرح الأسئلة حول تأثير التغيرات في الغلاف الجوي على المدى الطويل. لا يمكن تعلم هذه الافتراضات والإسقاطات من مجموعة بيانات تدريب تاريخية. لذلك، تظل قوانين الفيزياء ضرورية، ولا يمكن الاستغناء عن الحسابات الفيزيائية. ومع ذلك، يجد الباحثون طرقًا لاستخدام التعلم الآلي، مثل بناء نماذج مناخ هجينة تجمع بين الفيزياء والتعلم الآلي، أو استبدال بعض التقريبات المعتمدة على الفيزياء بخوارزميات التعلم الآلي، خاصة في العمليات التي تتطلب حسابات مكثفة.
أحد الجوانب المهمة في استخدام نماذج التعلم الآلي هو أنها غالبًا ما تكون "صناديق سوداء". بينما يمكن فهم الصيغ الفيزيائية، فإن آليات الشبكات العصبية المعقدة قد تكون غامضة. هذا يثير تساؤلات حول كيفية فهم الأخطاء المحتملة أو تعلم شيء من فشل النموذج. ومع ذلك، توجد تقنيات "الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير" التي تساعد في جعل هذه الصناديق السوداء أكثر شفافية، من خلال تحديد البيانات التي أثرت بشكل كبير على تنبؤ معين، مما يسمح بتقييم مدى صلاحية النموذج فيزيائيًا.
يمثل استخدام التعلم الآلي أحد مظاهر "البيانات الضخمة" في العلوم، ويساعد في استخلاص القيمة من مجموعات البيانات المتزايدة بسرعة. في مجال توقعات الطقس، أحدث التعلم الآلي تقدمًا ملحوظًا في الدقة والكفاءة. أما في مجال نمذجة المناخ، فلا يزال الأمر في مرحلة التطوير، ولكنه يحمل إمكانات كبيرة للمساهمة في اختبار الفرضيات وتقديم محاكاة وتنبؤات أكثر موثوقية، خاصة في تسريع عمليات المحاكاة واستكشاف سيناريوهات مختلفة.