آخر الأخبار
مصدر مسؤول يبشر بوصول شحنة كيروسين إلى عدن وانهاء أزمة وقود الطيران   •   اسرار | بالتفاصيل- رداً على طمس (الصرخة) من جامع أثري.. حملة اختطافات حوثية في ريمة وتوحش للجبايات ضد الباعة في إب   •   سقوط هذا الأمر يفجر غضب شعبي غير مسبوق يهدد نفوذ الحوثي في صنعاء   •   اسرار | بيان رسمي.. أمن عدن يكشف تفاصيل (مجزرة الدرين) ومقتل الجاني بعد حصد أرواح 4 ضحايا بينهم طبيب سوري وزوجته   •   كتاب جديد يضع الجامعة في قلب التنمية المستدامة.. من التحديات إلى الحلول "قراءة في كتاب جامعة حضرموت"   •   اسرار | الوداع الأخير لـ (سبايدر مان اليمن).. فوهة بركان حرضة دمت تبتلع المغامر (القعقاع) في عرض مباشر أمام الجمهور   •   لقاء في عدن غير مسبوق يجمع شيوخ مكاتب يافع وشخصيات بارزة حول السلطانين بن هرهره والعفيفي   •   اسرار | القعقاع سقط في البركان... لكن من أسقطه أولاً؟   •   إعلان أمني عن القبض على أخطر تجار المخدرات بعدن   •   مليشيا الحوثي تتوسع في جرائم التصفية والإخفاء القسري بحق المعتقلين   •  
أخبار محلية

عدن والمحافظات المحررة.. ثالوث الانهيار الاقتصادي والانفلات الأمني وجحيم الخدمات

عدن والمحافظات المحررة.. ثالوث الانهيار الاقتصادي والانفلات الأمني وجحيم الخدمات

تواجه العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات اليمنية المحررة فصلاً جديداً من فصول المعاناة الإنسانية والمعيشية التي تجاوزت حدود الاحتمال، في وقت تتزايد فيه التساؤلات الشعبية والسياسية حول دور الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، والتي باتت في نظر الشارع المسؤول الأول والمباشر عن هذا التدهور المتسارع. 

وتشهد هذه المناطق موجة غير مسبوقة من تدني الخدمات العامة، والانفلات الأمني، وارتفاع معدلات الجريمة بشكل بات يهدد السلم الاجتماعي، وسط صمت حكومي عاجز وغياب تام للحلول الجذرية التي يمكن أن تنقذ المواطنين من جحيم الأزمات المتلاحقة.

جحيم الخدمات 

لم يعد الحديث عن قطاع الخدمات في عدن والمحافظات المجاورة مجرد شكوى عابرة، بل تحول إلى قضية رأي عام ترتبط بحق الإنسان في الحياة الأساسية. 

ويتصدر قطاع الكهرباء واجهة هذا الانهيار، حيث يعيش السكان انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي تصل في كثير من الأحيان إلى أكثر من عشر ساعات متواصلة مقابل ساعتين فقط من التشغيل، في ظل أجواء صيفية خانقة ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات قياسية تتجاوز 48 درجة مئوية. هذا الانقطاع الطويل حول المنازل إلى بيئات غير قابلة للعيش، وضاعف من معاناة المرضى في المستشفيات وكبار السن والأطفال الذين يتأثرون بشكل مباشر ومأساوي جراء غياب التبريد والمياه الصالحة للشرب.

الحكومة اليمنية، من خلال وزارة الكهرباء والمؤسسات التابعة لها، تقف عاجزة تماماً عن تأمين وقود محطات التوليد، وتعتمد بشكل كلي على الحلول الترقيعية والوعود المؤجلة والمنح الإقليمية التي سرعان ما تنفد دون وضع معالجات مستدامة. 

ولم تقتصر الأزمة على الطاقة، بل امتدت لتشمل قطاع المياه والبيئة والصحة، حيث تعاني شبكات الضخ من تهالك مستمر، وتغرق الأحياء السكنية بمياه الصرف الصحي، مما أدى إلى انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة وسط تراجع مخيف للخدمات الطبية في المستشفيات الحكومية التي تفتقر إلى أبسط المستلزمات الطبية والأدوية المنقذة للحياة. 

إن استمرار هذه الأزمات يثبت فشل الإدارة الحكومية في إدارة الملف الخدمي، وتخليها الواضح عن واجباتها الدستورية والقانونية تجاه المواطنين الذين يمولون خزينة الدولة من الضرائب دون الحصول على أدنى الحقوق.

انفلات أمني 

على الصعيد الأمني، تعيش عدن والمحافظات المحررة حالة من الفوضى والاضطراب نتيجة غياب الاستراتيجية الأمنية الموحدة وتعدد الولاءات العسكرية داخل المدينة الواحدة. 

ورغم الإعلانات المتكررة عن خطط لإعادة التموضع العسكري وإخراج المعسكرات من المدن، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى استمرار الانقسام وتداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية المختلفة التي لم يتم دمجها بشكل حقيقي وتحت قيادة موحدة تابعة لوزارة الداخلية. 

هذا التشتت المؤسسي أدى إلى ضعف الضبط القضائي وفقدان السيطرة على السلاح المنفلت الذي بات يباع ويشترى علناً في الأسواق ويتجول به المدنيون والعسكريون دون حسيب أو رقيب.

وتتجلى مظاهر هذا الانفلات في الاشتباكات المسلحة العنيفة التي تندلع بين الحين والآخر في الأحياء السكنية المكتظة، والتي غالباً ما تنشأ نتيجة صراعات على الأراضي أو نفوذ شخصي بين قيادات أمنية وعسكرية، مما يسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين الأبرياء الذين لا علاقة لهم بهذه النزاعات. 

إن عجز الحكومة اليمنية عن فرض هيبة الدولة وتوحيد القرار الأمني تحت مظلة القانون الرسمية جعل من المدن المحررة ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والشخصية، وأفقد المواطن شعوره بالأمان داخل بيته أو في مكان عمله، وهو ما يمثل تراجعاً خطيراً ينسف كل ادعاءات الاستقرار والتعافي التي تروج لها الخطابات الرسمية.

ارتفاع في معدلات الجريمة 

ترتب على التدهور المعيشي والانفلات الأمني تصاعد مخيف وغير مسبوق في معدلات الجريمة بمختلف أنواعها في عدن ولحج ومأرب وأبين وتعز. وأصبحت الأخبار اليومية للمحافظات المحررة تضج بجرائم القتل العمد، والسرقة بالإكراه، والسطو المسلح على المحال التجارية والمنازل، والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. 

واللافت للنظر في الآونة الأخيرة هو بروز الجريمة المنظمة، وظهور شبكات لتهريب وتوزيع المخدرات والحبوب المهلوسة التي تستهدف فئة الشباب بشكل ممنهج، مستغلة حالة الإحباط والبطالة والفقر المدقع الناتجة عن الانهيار الاقتصادي.

كما شهدت المدن حوادث اغتيالات طالت قيادات عسكرية وأمنية وقضاة وخطباء مساجد وناشطين، بالإضافة إلى تنامي ظاهرة قضايا القتل العائلي والنزاعات المسلحة داخل الأسرة الواحدة بسبب الضغوط النفسية والمعيشية القاسية.

 وتتحمل الحكومة المسؤولية الكاملة عن هذا الوضع المرعب، نظراً لتقاعس أجهزتها الاستخباراتية والجنائية عن ملاحقة المجرمين، وضبط الجناة، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع.

إن غياب المحاسبة القانونية الصارمة، والسماح بالوساطات والتدخلات القبلية والعسكرية لإطلاق سراح المتهمين، شجع العصابات والمجرمين على الاستمرار في غيهم، وأشاع ثقافة الإفلات من العقاب في مجتمع كان يضرب به المثل في المدنية والنظام والقانون.

انهيار اقتصادي 

لا يمكن فصل الملف الأمني والخدمي عن الانهيار الاقتصادي الكارثي الذي تسببت فيه السياسات المالية الفاشلة للحكومة اليمنية وعجزها عن إدارة الموارد العامة بشكل صحيح. 

وشهدت العملة المحلية تدهوراً تاريخياً حاداً أمام العملات الأجنبية، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية والمشتقات النفطية، وباتت القيمة الشرائية للمواطن في أدنى مستوياتها على الإطلاق.

وتزامن هذا الانهيار النقدي مع أزمة رواتب خانقة، حيث يتأخر صرف مرتبات الموظفين الحكوميين والمتقاعدين وأفراد الجيش والأمن لعدة أشهر، مما حرم آلاف الأسر من مصدر دخلها الوحيد وجعلها تحت رحمة الفقر والمجاعة الحقيقية.

الحكومة بررت هذا الفشل مراراً بتوقف تصدير النفط الخام جراء التهديدات والهجمات الحوثية على موانئ التصدير، لكن المراقبين والشعب يرفضون هذه المبررات الواهية، مؤكدين أن الفساد المستشري في مفاصل الدولة، وغياب الشفافية في تحصيل الإيرادات المحلية والمنافذ الجمركية والضريبية، والإنفاق العبثي للمسؤولين في الخارج بالعملة الصعبة، هي الأسباب الحقيقية وراء هذا الإفلاس المالي. 

إن بقاء المسؤولين خارج البلاد وإدارتهم لشؤون المواطنين عبر الفنادق والعواصم الخارجية يعمق الفجوة بين القيادة والشعب، ويعكس حالة من اللا مبالاة الرسمية تجاه الكارثة الإنسانية التي تطحن الملايين في الداخل.

مسؤولية "الرئاسي" والحكومة 

أمام هذا المشهد القاتم والسوداوي، يتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الحكومة اليمنية، ومجلس القيادة الرئاسي، يتحملان المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية الكاملة عن كافة صور المعاناة والدمار التي تعيشها المحافظات المحررة. 

إن الفشل في توفير بيئة آمنة، والعجز عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات، والوقوف بموقف المتفرج أمام تآكل العملة والمجاعة التي تجتاح المنازل، يمثل تخلياً صريحاً عن السيادة ومفهوم الدولة الحاضنة لشعبها. 

لم تعد الوعود السياسية والاجتماعات الدورية والبيانات الإعلامية الصادرة من الغرف المغلقة قادرة على تهدئة الشارع الذي بدأ يترجم غضبه إلى احتجاجات شعبية واسعة، وقطع للطرقات، وإضرابات عامة تشل الحركة التجارية.

إن استعادة الأمن والاستقرار وتوفير الخدمات في عدن والمحافظات المحررة لن يتحقق بالمسكنات والمنح الخارجية المؤقتة، بل يتطلب انتفاضة إدارية شاملة تبدأ بمحاسبة الفاسدين، وتفعيل الأجهزة الرقابية، وإلزام كافة المسؤولين بالعودة والاستقرار في الداخل ومشاركة المواطنين معاناتهم اليومية. 

كما يتطلب قراراً سياسياً شجاعاً بدمج كافة التشكيلات المسلحة تحت هيكل قيادي رسمي وموحد يتبع وزارتي الدفاع والداخلية، وتوجيه كافة الإيرادات المحلية نحو خزينة البنك المركزي لدعم العملة وتشغيل الخدمات.

وإذا استمرت الحكومة في نهجها الحالي القائم على الهروب من المسؤولية وإلقاء اللوم على العوامل الخارجية، فإن الأمور تتجه نحو انفجار شعبي عارم وفوضى شاملة لن يستثني لهيبها أحداً، وسيدفع الجميع ثمن هذا التقاعس والإهمال الحكومي المزمن.