أخبار محلية

​هكذا يحلو لليمنيين الموت.. على فوهات البراكين

البعد الرابع 13/06/2026 16:24 274 مشاهدة
​هكذا يحلو لليمنيين الموت.. على فوهات البراكين

خاص( البعد الرابع) غرفة الأخبار

نشر في :السبت, 13 يونيو, 2026 - 04:12 مساءً

منذ آلاف السنين اختار أسلافنا في مدينة "كريتر" بعدن العيش داخل فوهة بركان خامد.. متخذين من "الحمم" القديمة حصوناً ومن السكون الجيولوجي ملاذاً، فصنعوا حضارة في قلب الفوهة ! لتبدو لهم عدن حصنا طبيعا شامخا ..كما ميناءها الطبيعي كذلك ..

لكن.. وعلى النقيض تماماً من إرث الأجداد الذي روّض النار ليصنع الحياة ! يبدو أن اليمنيين في صيف 2026 قد استسلموا لقدرٍ باتوا فيه يحيون في الفوهات مرغمين !! و ليضعوا حدّاً لحياتهم أو ليقتاتوا على مخاطرتها في مشهد "سريالي" تلاشت فيه كل معاني الدولة والمسؤولية..

​إن أكثر المشاهد إيلاماً في مأساة "القعقاع عنتر" ليس السقوط بحد ذاته، بل "التوقيت" الذي اختارته مؤسسات الدولة للحضور.. لقد ظلت هذه المؤسسات، بمكاتبها المترهلة وأجهزتها المعطلة، صامتة طيلة سنوات، تراقب هذا الشاب وهو يحوّل فوهات البراكين في دمت إلى حلبة بهلوانية دون حبال أمان، ودون أن تسأل: "أين الرعاية؟ أين التدريب؟ أين الاحتواء الرياضي؟".أين السلامة بل أين المساءلة ؟!!

​لم تتحرك الدولة حين كان "القعقاع" بحاجة إلى صقل مهاراته ليصبح بطلاً أولمبياً أو لاعباً في السيرك الوطني، بل انتظرت حتى انطفأت أنفاسه، لتظهر فجأة ببدلات الدفاع المدني الثقيلة، لا لإنقاذه، بل لانتشال جثته وسط ذهول المتفرجين ! هذا الحضور المتأخر ليس "إنجازاً"، بل هو "إعلان إدانة".. فالدولة هنا ليست سوى "حفار قبور" رسمي، تظهر فقط في ختام المسرحية الدموية لتغلق الستار..

​خلف هذا السقوط تقف ماكينة جهل رقمية جبارة..إذ أن جمهور "السوشيال ميديا" الذي تحول إلى جيوش من المتفرجين "الساديين"، يمارس عملية "غسل دماغ" جماعي.. هؤلاء الذين يطالبون الشاب بحركات قاتلة مقابل مبالغ زهيدة، أو يطلبون منه كتابة أسمائهم على جدران الفوهة، هم أنفسهم ضحايا "التغييب الإبداعي"..

​لقد نجحت ثقافة "المحتوى السريع" في إقناع هؤلاء بأن قيمة الإنسان تتحدد بعدد المشاهدات، لا بسلامته..هؤلاء لا يبحثون عن فن أو رياضة، بل يبحثون عن "لقطة موت" تكسر رتابة حياتهم الفارغة ! إننا أمام "تأثير غير سوي"، حيث تم استبدال القدوة الرياضية بالقدوة "المتهورة"، وتحول الجمهور من ذوّاقة إلى "مُحرضين" على الانتحار مقابل حفنة من الريالات، في غياب تام لأي وازع أخلاقي أو قانوني يضبط هذا الفضاء الرقمي الملوث..وفي ظل غياب الدولة !

​إن الموت في "فوهة دمت" ليس حادثاً منعزلاً، بل هو صدىً لموتٍ أكبر في عدن ! فبينما كانت الحرارة في صيف 2026 تحصد أرواح المواطنين في بيوتهم بكريتر بسبب انقطاع الكهرباء وتقاعس الحكومة، كان القعقاع يموت في دمت بسبب انعدام البدائل..

​إن هذا التواطؤ بين "جمهورٍ جاهل" يصفق للموت، و"دولةٍ غائبة" لا تتقن إلا طقوس العزاء وانتشال الجثث، هو ما يجعل الموت في فوهات البراكين يبدو لليمنيين كأنه "المآل الحتميّ" .. لقد خذلتهم الدولة في حياتهم، فصاروا يصارعون لأجل البقاء في الفوهات ! حيث النار أقرب إليهم من عدالة المؤسسات، وحيث الشاشات هي المكان الوحيد الذي يراهم فيه الناس قبل أن يرحلوا..

​ختاما..

لقد سكن أجدادنا الفوهات ليبنوا تاريخاً، ونحن اليوم ندفن أبناءنا فيها لنشهد نهاية التاريخ..هكذا يحلو لليمنيين الموت، حين تضيق بهم الأرض، فلا يجدون أمامهم إلا فوهة بركان وجمهورا يصور اللحظة الأخيرة بهواتف ذكية وعقول "غبية" .. ودولة لا تعرف طريقها إلا إلى مقابرنا..