في منطقتنا العربية لا تحتاج الأزمات إلى مقدمات طويلة، فغالبًا ما يكفي أن تتحرك طهران في اتجاه ما حتى تبدأ العواصم المجاورة بترقّب ما سيحدث. وكأن المنطقة بأسرها تعيش حالةً صحية غريبة؛ فإذا عطست طهران أصيب الجميع بالصداع.
لم تعد المشكلة في حجم إيران أو موقعها الجغرافي أو حقها الطبيعي في أن تكون دولة ذات مصالح، فذلك أمر لا يختلف عليه اثنان. لكن الإشكال الحقيقي يكمن في أن طهران اختارت منذ عقود أن تمد نفوذها عبر المليشيات والجماعات المسلحة أكثر مما تمده عبر التنمية أو الاقتصاد أو حسن الجوار.
وحين تنظر إلى خريطة المنطقة، تجد آثار هذا النهج واضحة كالشمس؛ دولًا أنهكتها الصراعات، ومجتمعات تمزقها الانقسامات، واقتصادات استنزفتها الحروب. وفي كل مرة يشتعل فيها حريق جديد، يظهر اسم إيران في خلفية المشهد، حاضرًا بشكل مباشر أو غير مباشر.
لقد أقنعت طهران نفسها طويلًا بأن المليشيات أجنحة، وأن السلاح خارج إطار الدولة نفوذ، وأن الفوضى وسيلة مشروعة لتوسيع التأثير. لكنها تجاهلت حقيقة بسيطة مفادها أن الدول تُبنى بالمؤسسات لا بالجماعات المسلحة، وبالتنمية لا بالشعارات، وبالاستقرار لا بالفوضى.
وربما كان الخطأ الأكبر أن المشروع الإيراني تعامل مع العالم العربي باعتباره ساحة مفتوحة للتجارب السياسية والعسكرية. فبدل أن تكون العلاقات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، تحولت في كثير من الأحيان إلى صراع نفوذ دفع ثمنه المواطن العربي البسيط؛ ذلك الذي لا يعنيه من ينتصر سياسيًا بقدر ما يعنيه أن يجد أمنًا وكهرباء ورغيف خبز ومستقبلًا لأطفاله.
واليوم تبدو المنطقة وكأنها تقف أمام مرحلة مختلفة. فالأزمات التي صُنعت خلال سنوات طويلة لم تعد قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية، والشعوب التي دفعت أثمان الصراعات بدأت تدرك أن المليشيات لا تبني أوطانًا، وأن الشعارات الثورية لا تُضيء منزلًا ولا تُشغّل مصنعًا ولا تُطعم جائعًا.
لقد آن الأوان لأن تدرك طهران أن النفوذ الذي يُبنى على الأزمات ينهار مع أول فرصة للاستقرار، وأن الريش الذي ظنته يومًا أنه سيجعلها تحلق فوق المنطقة قد يتحول إلى عبء يثقل جناحيها. فالتاريخ يخبرنا أن المشاريع القائمة على التوسع والصراع قد تبدو قوية في لحظة ما، لكنها تكتشف متأخرة أن القوة الحقيقية ليست في عدد الأذرع، بل في قوة الدولة نفسها.
ولهذا لم يعد السؤال: ماذا تريد إيران من المنطقة؟ بل أصبح: كم من الوقت تحتاج المنطقة لتتعافى من آثار السياسات التي جعلت كل عطسة في طهران صداعًا يمتد من عاصمة إلى أخرى؟
فالشعوب العربية لا تبحث عن انتصار على أحد، بل تبحث عن نهاية لزمن الأزمات. تبحث عن دولة تحكمها المؤسسات لا البنادق، وعن مستقبل تصنعه التنمية لا المليشيات، وعن شرق أوسط لا يُصاب بالصداع كلما عطست طهران.