ألاعيب السياسة.. وأسرار كأس العالم «1 3»
هل تُفسد السياسة المناسبات الرياضية الإقليمية والدولية؟ أم تُصلح الرياضة وتحديداً كرة القدم «الساحرة المستديرة»ما أفسدته السياسة بين الأمم والشعوب؟.. التاريخ يثبت أن «هناك زواج كاثوليكي بين الرياضة والسياسة»، ودائماً ما يوظف السياسيون كرة القدم لتحقيق أهدافهم وخططهم.
التوصيفات والتساؤلات السابقة ربما تتعارض مع كل القوانين التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم، والتي تمنع إقحام السياسة بأي شكل من الأشكال في عالم كرة القدم. ولكن يلاحظ أنه منذ الدورة الأولى لكأس العالم في أورجواي عام 1930 وحتى كأس العالم الحالية 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، كانت السياسة حاضرة وبقوة في مسيرة كرة القدم منذ أن وجد الفرنسيون أن الإنجليز سبقوهم إلى اختراع كرة القدم الحديثة، فبذلوا جهوداً ليسجل اسمهم في التاريخ عبر وضع القوانين التي تنظم كرة القدم حتى يذكروا دائماً بجانب الإنجليز عندما يأتي الحديث عن الساحرة المستديرة.
هتلر في مدرجات كرة القدم
من التساؤلات التي تطرح حول علاقة السياسة بكأس العالم: هل الاستعلاء السياسي الأوروبي كان وراء قرار الفرق الأوروبية بعدم الذهاب إلى أورجواي للمشاركة في كأس العالم الأولى عام 1930 عندما شارك 13 فريقاً فقط في البطولة؟ وكيف كان ينظر هتلر وموسوليني إلى كرة القدم؟ وماذا عن الرواية التي تقول بأن تهديدات موسوليني للفريق الإيطالي كانت وراء تساهل حارس المجر - في البطولة الثالثة لكأس العالم في باريس عام 1938 - حتى يحصل الفريق الإيطالي على بطولة كأس العالم، وينجو من تهديدات موسوليني؟ وهل كانت رغبة هتلر في الحصول على كأس العالم وراء غزو النمسا حتى يتم دمج عدد من لاعبي الفريق النمساوي لكرة القدم في الفريق الألماني؟ وكيف نجح مواطن إيطالي في الاحتفاظ بكأس العالم رغم تفتيش الجيش النازي منزله في روما؟
الإيطالي الذي أخفى كأس العالم عن هتلر
الإيطالي مياترا هداف بطولة عام 1934
رغم أن الإنجليز هم من اخترعوا كرة القدم، والفرنسيين هم الذين وضعوا القوانين المنظمة للعبة الأكثر شعبية في العالم، فإن تنظيم أول دورة لكأس العالم ذهب إلى أورجواي في جنوب أمريكا اللاتينية، وهو ما تسبب في امتعاض ورفض العديد من القوى الكروية الأوروبية خاصة بريطانيا التي قررت منتخباتها الثلاثة (إنجلترا - ويلز - إسكتلندا) عدم الذهاب إلى دولة صغيرة في أمريكا الجنوبية، بينما كان يطلق على بريطانيا في ذلك الوقت «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس»، ونفس الأمر بالنسبة لمنتخبات أوروبية أخرى تم دعوتها لكنها قررت عدم الذهاب مثل ألمانيا والنمسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا والمجر، وردت أورجواي على هذه الإهانة «السياسي - كروية» برفضها المشاركة في نسخة كأس العالم الثانية في إيطاليا عام 1934 لتكون أورجواي هي الوحيدة في تاريخ كأس العالم لكرة القدم التي رفضت الدفاع عن لقبها في الدورة التالية رداً على عدم مشاركة إيطاليا والأوروبيين في الكأس الأولى رغم وفاء أورجواي بتنفيذ كل الشروط التي طلبها منها الاتحاد الدولي لكرة القدم، ومنها بناء أكبر استاد في العالم «سينتيناريو» في 9 شهور فقط، الذي كان يسع وقتها نحو 90 ألف متفرج، وتم بناؤه بمناسبة مرور 100 عام على وضع دستور الأورجواي.
الرجل الورقة الذي قتله هتلر لأنه رفض اللعب باسم النازيين
الكأس أو الموت
هناك اتفاق بين مؤرخي كرة القدم على أن قائد النظام الفاشستي بينيتو موسوليني استخدم كرة القدم في كأس العالم التي استضافتها إيطاليا عام 1934، وكأس العالم في باريس عام 1938، اللتين فازت فيهما إيطاليا من أجل الترويج لنظام حكمه، وتلميع ونشر الفكر الفاشستي في كل دول العالم، فلم يكن موسوليني ينظر لكرة القدم باعتبارها لعبة رياضية، بل وسيلة لتأكيد تفوق نظامه السياسي، وضغط موسوليني بكل أوراقه من أجل حصول إيطاليا على كأس العام 1934 من خلال توظيف كل موارد وإمكانيات الدولة لإظهار الأفكار الفاشية أثناء البطولة عندما امتلأت الشوارع والملاعب بالشعارات والرموز الفاشية، وتحولت المباريات إلى منصات لعرض أفكار موسوليني، وإجبار لاعبي الفريق الإيطالي على أداء التحية «للدوتشتي» وهو لقب موسوليني، الأمر الذي عرّض الفريق الإيطالي بقيادة المدرب القدير فيتوريو بوتزو لضغوط غير مسبوقة لإرضاء الزعيم والفوز بالكأس، لكن هناك من يذهب إلى أكثر من ذلك ويقول إن موسوليني هدد الحكام لو ارتكبوا أخطاء تؤثر في نتائج الفريق الإيطالي لن يخرجوا من إيطاليا، ورغم تأكيد الكثيرين أن موسوليني لم يتدخل لتعديل النتيجة إلا أن تهديده للحكام وإرهابهم - حتى لو كان من باب السخرية - جعلهم مستعدين للتغاضي عن أخطاء كثيرة حتى يتحقق الفوز للفريق الإيطالي بالنسخة الثانية من كأس العالم.
وفي مباريات كأس العالم التي استضافتها فرنسا عام 1938 وسط أجواء ما قبل الحرب العالمية الثانية ضغط موسوليني على الفريق الإيطالي ليرتدي القمصان السوداء بالكامل، وهو اللون الذي يرمز إلى «الميليشيات الفاشية»، وهناك رواية تاريخية تقول بأن موسوليني أرسل برقية إلى المنتخب الإيطالي قبل مواجهة المجر في نهائي عام 1938 قال لهم فيها عبارة حازمة «الفوز أو الموت»، ورغم أن بعض المؤرخين وصفها بأنها رسالة تحفيزية أكثر منها تهديد بقتل المنتخب الإيطالي لو خسر البطولة والمباراة، إلا أن المضمون المزدوج لمثل هذه الرسائل في هذا التوقيت قبل دقائق من المباراة النهائية يؤكد أنها أشاعت جواً من الرعب والخوف في قلوب المنتخب الإيطالي الذي كان يخشى الهزيمة وخسارة اللقب.
وترتبط بهذه المباراة قصة حارس المرمى المجري أنتال زابو، وهناك مساران لهذه القصة، المسار الأول يقول إن رسالة «الفوز أو الموت» وصلت إلى المنتخب المجري، وتأثر بها الحارس المجري بشدة، وكان يخشى على زملائه الرياضيين من الفريق الإيطالي، وقال مقولته الشهيرة عقب المباراة التي استقبل فيها 4 أهداف إيطالية «ربما أكون قد استقبلت 4 أهداف، لكنني على الأقل أنقذت حياة أحد» وهو ما يعني أنه تهاون وتساهل حتى ينقذ الفريق الإيطالي.
منتخب هتلر وأداء تحية النازية في الملاعب الرياضية
هتلر أجبر المنتخب النمساوي على الاندماج في المنتخب الألماني
لكن المسار الثاني لتفسير هذه الواقعة يقول إن كلمات زابو كانت للسخرية فقط، ولم يكن هناك أي تهاون من جانبة أو من جانب الفريق المجري، ويستند أصحاب هذا التفسير إلى أن لقطات المباراة والصور المنشورة عنها تكشف تصدي أنتال زابو بقوة للهجمات الإيطالية، وأنه منع أكثر من هدف محقق.
لم تشارك إيطاليا في كأس العالم الأولى التي استضافتها أورجواي عام 1930 وشارك فيها 13 فريقاً فقط بسبب التكاليف العالية، والكساد الاقتصادي، ورفض بعض الدول الأوروبية الذهاب بعيداً في أقصى جنوب أمريكا اللاتينية، لكن إيطاليا استضافت عام 1934 النسخة الثانية من بطولة كأس العالم وفازت بها بعد الفوز في المباراة النهائية على تشيكوسلوفاكيا التي تفككت بعد حرب البلقان عام 1991، وعاد الإيطاليون بكأس العالم من فرنسا بعد فوزهم بها في نسختها الثالثة عام 1938 على فريق المجر الرهيب بأربعة أهداف مقابل هدفين، لكن بعد ذلك اندلعت الحرب العالمية الثانية، وكان هناك تحالف عسكري وسياسي بين الزعيمين الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني والنازي أدولف هتلر في الحرب ضد الحلفاء منذ تشكيل الطرفين محور «روما - برلين» عام 1936، وخلال الحرب نجح الحلفاء في عمل إنزال بري على جزيرة صقلية الإيطالية في «عملية هاسكي» في 9 و10 يونيو 1943، وبدأ جنود موسوليني يتراجعون إلى الشمال، وهنا تم عزل موسوليني من جانب حكومة تشكلت حديثاً، وبينما كان الحلفاء يزحفون نحو روما حاول هتلر أن ينقذ صديقه وحليفه موسوليني، وأرسل قواته إلى إيطاليا، وكان ضمن مهام القوات النازية البحث عن كأس العالم التي فازت بها إيطاليا، وكانت تحتفظ بها في روما منذ عام 1938، وبدأ الجنود الألمان يبحثون عن كأس العالم من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، وهنا جاء دور المسؤول في الاتحاد الإيطالي لكرة القدم أوتورينو باراسي حيث اتفق مع البنك الذي كانت كأس العالم موجودة فيه على أخذها إلى بيته حتى يخفيها بعيداً عن الجنود النازيين الذين جاؤوا لدعم موسوليني، وبالفعل وضع باراسي كأس العالم في حقيبة كبيرة كانت توضع فيها الأحذية، ووضع هذه الحقيبة التي تشبه الأكياس أسفل السرير الذي ينام عليه، وبالفعل شك الألمان في باراسي، وذهبوا وفتشوا بيته لكنهم لم يتخيلوا أنه وضع كأس العالم في حقيبة الأحذية، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أعاد باراسي - الذي أصبح رئيساً للاتحاد الإيطالي لكرة القدم - كأس العالم إلى الحكومة الإيطالية الديمقراطية التي تشكلت عقب نهاية الحرب، وسافر باراسي بصحبة كأس العالم إلى البرازيل التي نظمت البطولةعام 1950، وفازت بها أورجواي بعد تغلبها على البرازيل في المباراة النهائية بهدفين مقابل هدف واحد.
اللاعب الورقة الذي تحدى هتلر
سرقة فريق العجائب
عندما كان هتلر وموسوليني على رأس السلطة في ثلاثينيات القرن الماضي حولا كرة القدم إلى «أداة دعائية» لأنظمتهما السياسية، وكان فريق كرة القدم النمساوي من أقوى المنتخبات الأوروبية، وكانت هناك رغبة جامحة من هتلر في تعزيز وتقوية فريق كرة القدم الألماني المشارك في كأس العالم في باريس، ولهذا سارع هتلر باحتلال النمسا في 12 مارس 1938 قبل انطلاق البطولة الثالثة لكأس العالم في فرنسا في 8 يونيو من نفس العام، وكان الفريق النمساوي بقيادة المدرب العبقري هوجو ميسل يحقق نتائج مبهرة، وكان أول فريق يتبنى ما يعرف اليوم بالكرة الشاملة التي تعتمد على التحرك من دون كرة، والتمريرات القصيرة والسريعة، وتغيير المراكز مع تحرك الفريق للهجوم أو الدفاع، ونجح هذا الفريق في هزيمة ألمانيا مرتين منهما مرة في برلين ب 5 أهداف نظيفة، كما هزم هولندا والمجر وفرنسا وإيطاليا، وكان نجم الفريق «المهاجم النحيل» ماتياس شيندلار الذي كانت تطلق الصحافة عليه لقب الرجل الورق لأنه كان نحيلاً جداً، لكنه كان بارعاً في الهجوم النمساوي، ولهذا فكر هتلر أنه سوف يعمل على ضم «فريق العجايب» وبالفعل بعد تحول النمسا إلى مقاطعة ضمن مقاطعات «الرايخ الألماني» بدأت آلة الإعلام التابعة لهتلر في الدعوة إلى دمج الفريق النمساوي العبقري مع الفريق الألماني القوي لخلق منتخب يستطيع أن ينافس في كأس العالم في فرنسا، وكانت الخطوة الأولى هي حل اتحاد الكرة النمساوي، وتحويل الأندية النمساوية كأندية ضمن الدوري الألماني، وصدر قرار حازم إلى سيب هيربرجر مدرب المنتخب الألماني بضم أفضل لاعبي المنتخب النمساوي ضمن تشكيلة الفريق الألماني الذي سوف يتوجه إلى فرنسا للمشاركة في كأس العالم الثالثة بحيث يتكون الفريق من 6 لاعبين نمساويين و5 ألمان أو العكس.
المنتخب النمساوي الذي هزم ألمانيا 6-0 في برلين
الرقصة الأخيرة
كنوع من الدعاية السياسية أرادت حكومة هتلر أن تقول للعالم إن دمج المنتخبين النمساوي والألماني تعبير عن كون الشعبين شعباً واحداً، وأن هذا الدمج نتيجة طبيعية واستجابة لمطالب الشعب واللاعبين النمساويين قبل أن يكون هدفاً للزعيم النازي، فقاموا بتنظيم مباراة لدمج الفريقين في فيينا يوم 3 إبريل 1938 أطلق عليها «مباراة التآخي» وكانت هناك تعليمات واضحة للاعبين بأن يتفوق المنتخب الألماني على نظيره النمساوي حتى لا يقال إن الدمج كان متعمداً، لكن «الرجل الورق» ماتياس شيندلار أظهر بحركات ساخرة أنه قادر على إحراز أهداف في الشوط الأول من المباراة، لكنه لا يقوم بذلك نظراً لوجود توجيهات بضرورة فوز المنتخب الألماني، لكنه لم يستطع الالتزام بهذا التعهد في الشوط الثاني، وقام بإحراز هدف، وبعد إحراز الهدف سارع إلى المنصة، وعبر عن فرحة غامرة قادت إلى استياء رموز الرايخ النازي من إحرازه الهدف، ولم يكتف ماتياس بذلك، بل سارع بتمرير هدف آخر إلى زميله كارل سيستا لتنتهي المباراة بهدفين نظيفين لصالح النمسا، وحاول مدرب المنتخب الألماني سيب هيرجر إقناع وإغراء ماتياس شيندلار للانضمام إلى المنتخب الألماني مثلما انضم زميلاه هانز بيكر، وفرانز فاجنر، لكن ماتياس شيندلار رفض رفضاً قاطعاً، وقدم بعض المبررات التي لم يتقبلها نظام هتلر منها أنه أصبح كبيراً في السن، وأن عمره بلغ 35 عاماً، وأحياناً أخرى كان يقول إنه مصاب في ركبته، وكان هدفه أن تمر كأس العالم في فرنسا من دون الانضمام إلى الفريق النازي، ووصل رفض ماتياس شيندلار للنظام النازي أنه اشترى مقهى في فيينا رفض أن يعلق فيه الشعارات النازية، وهو ما دفع الحزب النازي إلى اعتباره يتحدى النازية لعدم انضمامه للفريق الألماني الذي فشل فشلاً ذريعاً في كأس العالم في فرنسا 1938، وفي 23 يناير 1939 حدث ما توقعه الكثيرون بالإعلان عن موت ماتياس شيندلار في بيته، وعلى سريره وبجانبه صديقته الإيطالية كاميلا كاستيجنولا.
أنتال زابو حارس مرمى المجر في نهائي عام 1938