أخبار محلية

أزمة اليمن.. فشل النخب وغياب المشروع الوطني

المنتصف نت- المنتصف نت 26/06/2026 13:08 302 مشاهدة
أزمة اليمن.. فشل النخب وغياب المشروع الوطني

ليس هناك وجع أكثر من أن تجد وطنًٍا يمتلك كل مقومات الحياة، لكنه يظل رهينة صراعات لا تنتهي، ونخبٍ تتقن وتتفنن في إدارة الخلاف أكثر مما تتقن صناعة الدولة الجامعة. 
بلدنا في حقيقة الأمر لا يخسر أرضًا أو اقتصادًا فحسب، لكنه يخسر أعوامًا طويلة من عمر وصبر شعبه تضيع وهما وسدى، وأحلام أجيال كاملة تنتظر وطنًا يحكمه مشروع جامع لا مشاريع  متناحرة. وما دام الصراع يدور حول أطماع السلطة وليس حول الدولة، فإن الألم سيظل يتجدد، والتشظى سيتوسع، وسيبقى اليمنيون الحلقة الأضعف يدفعون اثمانًا باهظة لأخطاء لم يكونوا يومًا طرفًا في صناعتها.
فالأزمة اليمنية تظل واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة، غير أن جوهرها لا يرتبط بعوامل جغرافية أو بصراعات الشمال والجنوب بقدر ما يرتبط بفشل النخب السياسية في بناء دولة حديثة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين وتحقيق الاستقرار والتنمية. فالأزمة في جوهرها ليست أزمة حدود أو هويات متصارعة، وإنما أزمة غياب مشروع وطني استطاع أن يجمع اليمنيين تحت مظلة دولة عادلة وقادرة.
ومن جهة أخرى، ورغم الحضور الشعبي الواسع للقضية الجنوبية وما تمثله من مطلب سياسي لدى شريحة كبيرة من أبناء الجنوب، فإن تعدد الرؤى واختلاف المشاريع المطروحة حال دون بلورة موقف موحد أو مشروع سياسي جامع يمكن أن يشكل أرضية صلبة لمعالجة القضية بصورة نهائية. وبين تباين الرؤى وتعدد مراكز القرار، بقيت القضية تدور في دائرة المراوحة، فيما يزداد المواطن تطلعًا إلى حل عادل يطوي سنوات الصراع.
وفي المقابل، تعيش المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية حالة متنامية من السخط الشعبي نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية واستمرار القيود المفروضة على المواطنين. إلا أن هذا التذمر لم يتحول إلى حراك سياسي واسع، في ظل غياب البديل القادر على تقديم رؤية مقنعة ومشروع وطني يحظى بثقة الشارع، وهو ما منح المليشيا مساحة إضافية لإطالة أمد الأزمة وإدامة واقع القمع والانهيار.
أما الحكومة المعترف بها دوليًا، فإنها تواجه تحديات كبيرة في استعادة ثقة المواطنين، إذ لم تتمكن خلال السنوات الماضية من تقديم نموذج إداري وخدمي يرسخ قناعات اليمنيين بقدرتها على إدارة الدولة ومعالجة الأزمات المتراكمة. وقد أسهم ذلك في تعميق فجوة الثقة بين المواطنين ومختلف القوى السياسية المناهضة لمليشيا الحوثي، الأمر الذي انعكس سلبًا على فرص توحيد الصف الوطني واستعادة مؤسسات الدولة.
لذلك، تؤكد الوقائع أن أي تسوية حقيقية للأزمة اليمنية لن تكون ممكنة ما لم تنطلق من معالجة الأسئلة الجوهرية المتعلقة بشكل الدولة، وطبيعة النظام السياسي، ومستقبل العلاقة بين مختلف المكونات الوطنية، بعيدًا عن السجالات التقليدية التي أثبتت محدودية قدرتها على إنتاج حلول مستدامة. فالحلول المؤقتة قد تؤجل الانفجار، لكنها لا تصنع سلامًا، والتسويات الجزئية قد توقف المعركة، لكنها لا تبني وطنًا.
وفي ظل استمرار الانقسام السياسي وتراجع فرص التوافق، تبدو الحاجة ملحة إلى عقد سياسي جديد يحدد بوضوح ملامح الدولة المنشودة ويؤسس لشراكة وطنية واسعة، بما يضمن تحقيق الاستقرار وإنهاء حالة انقلاب مليشيا الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة على أسس العدالة وسيادة القانون.
سئمنا الشعارات الجوفاء وسأم الوطن تعدد الاتفاقات الهشة وصار يتطلع إلى مشروع وطني صادق يعيد تعريف معنى الدولة، ويعيد للمواطن ثقته بأن تضحياته لم تذهب هباءً، وان  إرادة الوطن فوق إرادة الأفراد والجماعات المتناحرة. فاستمرار غياب هذا المشروع لن يعني سوى إطالة أمد المأساة، وتعميق الانقسام، وإهدار ما تبقى من فرص الإنقاذ لليمن أرضًا وإنسانًا.