تقف هذه الشجرة شامخة في جذوعها لكنها فقدت روحها. فالحقول التي كانت تسر الناظرين لم تعد سوى هياكل صامتة تحكي قصة عطش طويل، وجفاف قاسٍ، وتغيرات مناخية، وغياب للحلول، حتى أصبحت المزارع التي كانت تنبض بالحياة أثرا بعد عين.
ليست مجرد أشجار يابسة نقف أمامها، بل صفحات من تاريخ اليمن تُطوى بصمت، وإرث عريق يذبل أمام أعيننا دون أن تمتد إليه يد الإنقاذ.
في زيارة ميدانية إلى مديرية سباح بمحافظة أبين لتفقد المحميات الزراعية المائية، كان المشهد أشد إيلاماً مما تحتمله الكلمات. حقول كاملة من أشجار البن، كان يفترض أن تستقبل الموسم بثوبها الأخضر وأغصانها المثقلة بالثمار، تحولت إلى أكوام من الحطب اليابس بعد أن التهمها الجفاف وأنهكها الإهمال.
ويقول المهندس محمد طاهر السعيدي، الذي وثّق المشهد "شجرة البن لم تكن يوماً مجرد محصول زراعي، بل عنوانا للهوية ورمزا للأرض وذاكرة متجذرة في وجدان الإنسان اليمني. منها عاش الآباء والأجداد، وعلى خيرها بُنيت البيوت وتعلم الأبناء، واستقرت حياة آلاف الأسر التي جعلت من البن مصدر رزقها الوحيد. واليوم شجرة الهوية تذبل.
ويؤكد السعيدي أن موت أشجار البن لا يعني خسارة موسم واحد فحسب، بل انهيار مصدر دخل، وضياع سنوات من التعب، وتراجع اقتصاد الأسر الريفية، واندثار إرث زراعي وثقافي يمتد لمئات السنين. "إنها كارثة اقتصادية وبيئية وإنسانية تهدد واحدا من أهم الكنوز الزراعية في أبين واليمن بأكمله".
وأضاف الصور التي نشاهدها ليست لأشجار ماتت فقط، بل جرس إنذار يدق بقوة، معلناً أن مصدراً من أهم مصادر الدخل وإرثاً حضارياً عظيماً يوشك على الزوال. إنقاذ البن لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية.
وطالب التقرير بتحرك فوري يشمل
إنشاء السدود والحواجز المائية لحصاد مياه الأمطار.
دعم تقنيات الري الحديث الموفرة للمياه.
دراسة الاستفادة من تقنيات الاستمطار علمياً في المناطق المناسبة.
إعادة تأهيل المدرجات الزراعية وتهذيب الأودية.
تقديم دعم مالي وفني عاجل للمزارعين لإنقاذ ما تبقى وإعادة زراعة ما فُقد.
ووجّه مزارعو سباح والمهتمون بالشأن الزراعي نداءً عاجلاً إلى وزارة الزراعة والري والثروة السمكية، ووزارة المياه والبيئة، والسلطة المحلية، والمنظمات الدولية والمحلية المعنية بالتنمية المستدامة، للتدخل قبل فوات الأوان.
وختم المهندس محمد طاهر السعيدي (إن إنقاذ شجرة البن هو إنقاذ للإنسان والتاريخ والهوية والاقتصاد والبيئة. إنه حفاظ على أمانة تركها لنا الأجداد. فهل نتحرك اليوم قبل أن تتحول الجبال والوديان التي أنجبت البن إلى أرض قاحلة، لا ظل فيها ولا حياة.