في الوقت الذي يغرق فيه المواطن اليمني في بحر من الأزمات، حيث لا يجد المريضُ سريراً في مستشفى متهالك، ولا يجد الطالب مقعداً في مدرسةٍ لا تستر سقفها من الشمس، يقف اليمنيون اليوم أمام سؤالٍ يكتوي بجمر الحقيقة: "كم مدرسة كان يمكن أن تُبنى؟ وكم مستشفى كان يمكن أن يُجهّز؟ وكم أسرة كان يمكن أن تنتشل من مخالب الفقر والجوع، لو أن المال العام، الذي يُنهب في وضح النهار، وُجِّه لخدمة الإنسان قبل أن يُصبَّ في أرصدة المسؤولين؟"
الميزانية المنهوبة: حين تُباع أحلامُ الأجيال في سوق الفساد
إن هذا السؤال ليس مجرد صرخة عابرة، بل هو جرحٌ نازف في ضمير وطنٍ تحوّل فيه "المسؤول" من خادمٍ للشعب إلى "لصٍ محترف" لا يعرف الرحمة. نحن لا نتحدث عن أخطاء إدارية، بل عن نهجٍ منهجي قائم على "خصخصة الدولة"، حيث يتم التعامل مع مقدرات البلاد كإرثٍ عائلي، وحيث تُبنى الأبراج وتُشترى القصور في الخارج، بينما يقتات المواطن الصبر والعدم، ويتحول الوطن في نظر هذه الطبقة إلى "غنيمة" يجب اقتسامها قبل أن يدركهم الوقت.
"مؤسسة الوطن".. كيف تحول المسؤول من خادمٍ إلى "لص محترف"؟
لقد بات واضحاً أن "الوطن" والمواطن هما آخر اهتمامات هؤلاء الذين يتشدقون بالمسؤولية. فبينما يرسل المسؤول أبناءه إلى أرقى الجامعات العالمية، ويحيط أفراد عائلته وأقربائه بكل أسباب الرفاهية والجاه من عرق الشعب وقوت الفقراء، يترك المواطن اليمني ليصارع المجهول، محاصراً بين غلاءٍ فاحش وخدماتٍ منهارة. إنها "مأساة النخب المتسلقة"، التي جعلت من الوصول إلى السلطة تذكرةً للعبور نحو الثراء الفاحش، تاركةً خلفها بلداً يضج بالاحتياجات، ومجتمعاً تتآكله البطالة والمرض.
لغة الأرقام والمآسي: أين تذهب الملايين التي كان يمكن أن تُحيي وطناً؟
لو وضعنا ميزانيات "الفساد" في كفة، واحتياجات الشعب في الكفة الأخرى، لأدركنا حجم الجريمة التي تُرتكب في حق هذا الجيل والأجيال القادمة. تلك الملايين التي تُبدد في السفر والبدلات والمياومات والقصور العائلية، كانت كفيلة بتحويل المناطق النائية إلى مراكز تنموية، وكانت كفيلة بإنهاء مأساة الأسر التي تبيت على الطوى. ولكن، كيف للصوصٍ لا يرحمون أن يشعروا بوجعِ أرملةٍ فقدت معيلها، أو يتيمٍ لم يجد ثمن دفتر مدرسي؟ بالنسبة لهم، المواطن هو مجرد "رقم" في إحصائيات الفقر التي يغضون الطرف عنها، والوطن هو "مأدبة" يتسابقون فيها لنهش ما تبقى من خيراته.
رياضة "الهروب الكبير".. حين تصبح الغربة "وظيفة" لنهب المال العام
وها هم اليوم، يمارسون رياضة "الهروب الكبير"، متشبثين بكراسيهم من خلف شاشات الهواتف في عواصم العواصم، يوزعون علينا صكوك الوطنية وهم يرتجفون من فكرة العودة! إنهم يخشون العودة إلى أرض الوطن خوفاً من انقطاع "بدلات الإعاشة" التي تضخ في أرصدتهم ملايين الدولارات شهرياً، تلك الملايين التي لا تُصرف لقاءَ جهدٍ أو عمل، بل هي "رشوة صمت" تدفعها جيوب الشعب لتضمن غيابهم.
أبطال الشاشات المسطحة: الخوف من العودة و"كابوس" انقطاع الدولارات
يا لها من مفارقة مضحكة ومبكية في آن؛ قيادةٌ تدير بلداً من فنادق خمس نجوم، وتخاف أن تطأ أقدامها تراب الوطن خشية أن تتقلص مخصصاتها "السيادية" فتتحول من أباطرة في المنفى إلى مجرد أفرادٍ بلا قيمة. لقد اختصروا الوطن في "راتب بالعملة الصعبة"، وباعوا الأرض مقابل أن تظل كشوفات الرواتب مستمرة، متناسين أن التاريخ لا يسجل في دفاترهم الأرصدة البنكية، بل يسجل خذلانهم المخزي. إنهم يقفون هناك، يتفرجون على احتراق البلاد عبر شاشاتٍ مسطحة، مرعوبين من أن تعود الدولة يوماً ما، فيتوقف تدفق السحت الذي جعل منهم طبقةً تعيش على جراحنا. ألا تباً لقيادةٍ تجعل من "المنفى الاختياري" وظيفتها الوحيدة، ومن "فقدان البدلات" كابوسها الأكبر، بينما يقتات شعبها على الفتات في انتظار لحظة الخلاص من هذا العبث!
ساعة الحساب القادمة: عندما لا تستر الأموالُ سوءةَ الخيانة
إن استمرار هذا النمط من الإدارة القائمة على "الأنانية المطلقة" و"نهب المال العام" هو انتحارٌ وطني بكل ما تحمله الكلمة من معنى. إن القيادة التي تضع مصلحة أبنائها وأقربائها فوق مصلحة الملايين ليست قيادة، بل هي عبءٌ ثقيل على صدر هذا الوطن. يظل اليمنيون اليوم يحدقون في الأفق، ينتظرون لحظة الحساب التي يصحو فيها الضمير، أو تنتهي فيها سطوة هؤلاء الذين استمرأوا السلب والنهب. فاليمن الذي ضحى أحراره بدمائهم لأجله، لا يستحق أن يكون ضحيةً لمجموعةٍ من "اللصوص" الذين ظنوا أن الوطن خزانةٌ مفتوحة، متناسين أن الحقوق لا تضيع، وأن الشعوب إذا نهضت، لا يوقف طوفانها أحد. يبقى السؤال معلقاً في رقابهم، وستبقى الإجابة، مهما طال الزمن، شاهدةً على خيانتهم للأمانة، وسقوطهم الأخلاقي المدوي أمام صمود هذا الشعب الصبور الذي أثبت أن كرامته أغلى من كل أرصدتهم الملوثة بدماء الفقراء.