تشهد العاصمة المختطفة صنعاء منذ أيام تصعيداً قبلياً خطيراً ومؤشرات لاحتكاك مسلح وشيك، على خلفية حشود قبلية متبادلة بين قبائل "خولان الطيال" وقبائل "ريمة"، في واقعة تكشف بوضوح مدى اهتراء المنظومة الأمنية والقضائية، وسعي عصابة الحوثي الممنهج لتغذية الصراعات البينية بين القبائل اليمنية.
ووفق مصادر محلية بدأت جولة التصعيد الجديدة عقب قيام قبائل خولان بتحشيد مسلحيها أمام منزل اسرة "الضبيبي" (الذي قُتل قبل عام مع زوجته برصاص مسلح ينتمي لقبائل خولان في شارع خولان بصنعاء).
ويهدف هذا الاحتشاد وفق مراقبين إلى الضغط المباشر على أولياء دم الضحية وأسرته لإجبارهم على التنازل عن حقهم الشرعي والقانوني في القصاص، ومسامحة القاتل خارج أروقة القضاء.
وفي مقابل هذا الضغط، تداعت قبائل "ريمة" واستنفرت أبناءها في حشد مضاد تضامناً مع أسرة الضبيبي (المنتمية لريمة)، رداً على ما وصفوه بمحاولات فرض أمر واقع بقوة السلاح"، مؤكدين رفضهم القاطع لأي تنازل أو تحكيم قبلي يجتزئ دم ابنهم وزوجته، ومتمسكين بحقهم في مقاضاة الجاني ونيل القصاص العادل.
يرى مراقبون وحقوقيون أن هذه الحشد القبلي المحتقن لم يكن ليرى النور لولا التعمد الواضح من قِبل عصابة الحوثي في تعطيل المحاكم والمؤسسات القضائية كوسيلة قانونية للتقاضي والفصل في الجرائم الجنائية.
واكدوا انه على مدار عام كامل من وقوع جريمة قتل الضبيبي وزوجته، مارست عصابة الحوثي سياسة المماطلة وتجميد ملف القضية داخل أدراج النيابات والمحاكم الخاضعة لسيطرتها، ورفضت البت فيها وإصدار الأحكام العادلة.
ويؤكد مراقبون أن هذه التطورات تأتي في سياق مساعٍ تهدف إلى تأجيج حالة الاحتقان بين المكونات القبلية، من خلال إطالة أمد القضايا العالقة وتعطيل مسارات العدالة، بما قد يدفع تلمجتي عليهم ال إلى فقدان الثقة بالحلول القضائية والاتجاه نحو الثأر والاحتراب المباشر، الأمر الذي ينعكس سلباً على تماسك النسيج الاجتماعي القبلي.
كما يشير مراقبون إلى أن استمرار إشغال قبائل “خولان” و“ريمة” في صراعات وثارات داخلية يسهم في إنهاكها وإضعافها، ويحد من قدرتها على التفرغ لقضاياها العامة أو توحيد موقفها تجاه مختلف التطورات، بما ينعكس على توازنها الاجتماعي والسياسي.
وفي السياق ذاته، يرى متابعون أن هذا المسار يفتح المجال أمام فرض أدوار وساطة غير رسمية خارج إطار القانون، عبر ما يُعرف بـ“المشرفين”، بما يؤدي إلى تحويل النزاعات إلى أدوات ابتزاز مالي وسياسي بعد بلوغها مستويات متقدمة من الاحتقان، بعيداً عن الحلول القضائية العادلة.
تأتي هذه الواقعة لتدق ناقوس الخطر في مناطق سيطرة الكهنوت الحوثي، حيث تحولت العاصمة المختطفة صنعاء إلى ساحة لتصفية الحسابات القبلية وتكريس شريعة الغاب، في ظل غياب تام لدولة النظام والقانون التي قوضت المليشيا مؤسساتها، ليبقى المواطن وأولياء الدم ضحية لجريمتين: جريمة القاتل الذي سفك الدماء، وجريمة عصابة الحوثي التي تتاجر بتلك الدماء لتغذية حروبها العبثية.