“أيش ذنبنا؟ أين نروح بعد أن أصبحنا بلا منزل؟”.. تطرح أسماء مهيوب السؤال وهي تقف بين أنقاض منزل عائلتها المدمّر في حي الرجيم في منطقة صينة بمدينة تعز، جنوب غربي اليمن، بعدما حوّل صاروخ المنزل إلى ركام وترك أفراد الأسرة بلا مأوى.
كانت العائلة تتناول وجبة الغداء ظهر الثلاثاء، 20 أكتوبر/تشرين الأول، عندما أصاب الصاروخ المنزل، وتحول خلال ثوانٍ إلى كومة من الحطام، في قلب إحدى أكثر المدن اليمنية تضرراً من الحرب.
تستعيد أسماء لحظات القصف وكأنها لا تزال عالقة وسط مشهد الانفجار، قائلة: “طَيَّر بنا الصاروخ، وتناثر الطعام والأثاث، وتهدّمت الجدران والسطح فوق رؤوسنا”.
لم تستوعب العائلة ما جرى إلا بعدما وجدت نفسها وسط الأنقاض، تبحث عن أفرادها وتتفقّد ما تبقى من منزلها.
وأصيب شقيق أسماء بنزيف داخلي جراء سقوط الركام عليه، وهو يرقد في العناية المركزة بحالة صحية حرجة “بين الحياة والموت”، وفق روايتها. كما تعرّضت فتاة أخرى في المنزل لإصابة خطيرة في العمود الفقري.
وتضيف لـ”القدس العربي”، وهي تنظر إلى ما تبقى من منزلها: “البيت انهار بالكامل، وأصبح كله شتاتًا وتحول إلى حطام. فقدت كل أشيائي، ولا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل”.
لم تقتصر الخسائر على إصابات أفراد الأسرة وتدمير منزلهم، إذ باتوا بحاجة إلى مأوى بعدما فقدوا أثاثهم ومستلزمات حياتهم الأساسية.
وخلال زيارته للمنزل، وجّه محافظ تعز نبيل شمسان بإعادة بناء المنزل المدمر وإصلاحه، وتوفير مسكن مؤقت للعائلة.
حسب السلطات وشهادات ناجين وتقرير حقوقي، فإن صاروخاً باليستياً أطلقته جماعة الحوثي استهدف حي صينة المأهول بالسكان، مما أسفر عن مقتل امرأة وإصابة 8 آخرين بجروح متفاوتة، بينهم ثلاثة أطفال.
“مدنيون عُزل”
في المكان ذاته، يروي علي محمد، أحد أفراد العائلة، أن المنزل الذي يعود إلى خاله دُمّر بالكامل، مؤكداً أنه لم يكن قريباً من أي أهداف عسكرية. ويقول: “كان الأجدر بالحوثي أن يُظهر قوته في الجبهات، لا على المدنيين العُزل. نحن لسنا مقاتلين ولا عساكر، نحن مدنيون”.
ويشير إلى أن أفراد الأسرة يعيشون ظروفاً معيشية صعبة، إذ يعمل معظمهم على دراجات نارية لتأمين احتياجاتهم اليومية، ما يجعل إعادة بناء المنزل وتعويض ما فقدوه مهمة تفوق قدرتهم.
منذ لحظة القصف، لم يتمكن أفراد العائلة، حسب شهادته، من النوم جراء الصدمة، ولا يزالون عاجزين عن استيعاب ما حدث، أو فهم سبب استهداف منزلهم. ويتساءل في حديثه لـ”القدس العربي”: “ما الذنب الذي ارتكبناه حتى يتم استهدافنا؟ نحن مدنيون عُزل”.
ثم يصف ما آلت إليه حياة الأسرة بعد تدمير المنزل: “الآن لا مأوى، لا سكن، لا فرش، لا عفش، لا حمامات، لا مطابخ (…) أين نروح؟ أصبحنا ضحايا ومشرّدين في الشارع”.
وعلى نافذة المنزل المدمّر، يستند إسماعيل علي، أحد أفراد العائلة والناجين من القصف، فيما تبدو آثار الصدمة واضحة على ملامحه، قائلاً بكلمات مقتضبة: “كنا آمنين في أمان الله. دمروا حياتنا في لحظة واحدة”.
ضحايا مدنيون
يأتي القصف على منزل عائلة أسماء ضمن سلسلة هجمات طالت أحياء سكنية في تعز، منذ أن تصاعدت المعارك في المدينة منذ نحو ثلاثة أسابيع.
وقال مكتب شؤون الحصار بمحافظة تعز، وهو جهة حكومية، إن تسعة مدنيين، بينهم ست نساء، قُتلوا، وأُصيب 42 آخرون، بينهم نساء وأطفال، جراء القصف والقنص والاستهدافات التي طالت الأحياء والمناطق السكنية في المحافظة، خلال الفترة من 14 إلى 20 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. ونسب المكتب، في تدوينة على “فيسبوك”، هذه الهجمات إلى جماعة الحوثي.
وفي تقرير منفصل، وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 109 جرائم وانتهاكات نسبت مسؤوليتها إلى جماعة الحوثي خلال يومي الاثنين والثلاثاء – هذا الأسبوع – في محافظة تعز. وأضافت أن نحو 147 مقذوفًا أُطلقت على مناطق متفرقة، بينها صاروخان باليستيان استهدفا حي صينة وسط المدينة.
وتُعد تعز إحدى أبرز جبهات المواجهة مع الحوثيين، كما تمثل أحد أهم المراكز الحضرية الخاضعة للقوات الحكومية في المرتفعات الجنوبية لليمن.
مع تجدد القتال، تتفاقم الأعباء المعيشية والصحية على السكان، بالتوازي مع أزمة بيئية متصاعدة جراء توقف خدمات النظافة وتراكم المخلفات.
وقال مدير مكتب شؤون الحصار بمحافظة تعز، صلاح أحمد غالب، إن “المدينة ومديريات صبر الثلاث المحيطة بها تشهد تصعيدًا في القصف والقنص اللذين يستهدفان الأحياء والقرى السكنية، بصورة ممنهجة ومتواصلة، من قبل مليشيا الحوثي”.
تتفاقم الأزمة الإنسانية مع استمرار القيود على الطرق والإمدادات، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وتراجع قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل استمرار الحصار المفروض على المدينة، وفقاً للأمم المتحدة والسلطات المحلية ومنظمات حقوقية، من جانب جماعة الحوثي، فيما نفت الجماعة ذلك.
وأضاف غالب أن تشديد الحصار وقطع الطرق الرئيسية والفرعية، بما فيها الطرق المخصصة للمشاة، يحرم نحو مليوني نسمة من الغذاء والأدوية والمستلزمات الطبية والوقود والمياه والغاز المنزلي.
وأشار إلى أن شح المواد الغذائية أدى إلى ارتفاع أسعار كثير من السلع المتوفرة إلى خمسة أضعاف مستوياتها السابقة، موضحاً أن سعر أسطوانة الغاز المنزلي في السوق السوداء ارتفع إلى 50 ألف ريال، مقارنة بسعرها السابق البالغ 10 آلاف ريال.
ويحذّر غالب من أن تدهور الأوضاع المعيشية يفاقم معاناة السكان ويعرّضهم لمخاطر متعددة، بينها القصف والجوع وانتشار الأوبئة والأمراض، في ظل تراجع القدرة على الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية.