صنعاء: في دليل دامغ على انهيار هيبة القضاء وتحكم السلاح المنفلت بمفاصل الدولة، أعلن القاضي عبدالله منصور أحمد طنين—قاضي المحكمة التجارية الابتدائية بأمانة العاصمة صنعاء—تقديم استقالته رسمياً إلى مجلس القضاء الأعلى، احتجاجاً على تعرضه لمحاولة اغتيال دموية قادتها قيادات أمنية تابعة لجماعة الحوثي، وتواطؤ الجهات المعنية للتغطية على الجناة.
وفي حين تضمنت رسالة الاستقالة الرسمية "دواعٍ صحية" كذريعة بروتوكولية، أكدت مصادر قضائية متطابقة في صنعاء أن دافع الاستقالة الحقيقي هو تداعيات الكمين المسلح الذي استهدف حياته مطلع يونيو الجاري، وعجز سلطة الأمر الواقع—أو بالأحرى تعمدها—عن ضبط القتلة والمخططين، نظراً لنفوذهم العسكري.
تفاصيل كمين "شهارة" الدموي واغتيال وسيط قبلي
وكشف القاضي طنين، في بلاغ جنائي رسمي رفعه إلى النائب العام في صنعاء، عن تفاصيل دقيقة للحادثة التي واجهها؛ إذ تعرّض لكمين مسلح باغت مركبته أثناء عودته من مديرية المدان بمحافظة عمران متوجهاً إلى مقر عمله بالعاصمة:
• موقع الهجوم: جرى تنفيذ الاعتداء بالقرب من مركز شرطة "الهجر" بمديرية شهارة، حيث أمطر مسلحون السيارة بوابل من الرصاص الحي والمباشر.
• الضحايا: أسفر الهجوم الغادر عن مقتل مرافق القاضي، الحاج يحيى الصريمي، فوراً بإصابات قاتلة. والراحل يعد واحداً من أبرز الوجاهات الاجتماعية ومصلحي ذات البين، وكان قد نجح قبل ساعات فقط من مقتله في إبرام صلح قبلي تاريخي أنهى قضية ثأر دامت 12 عاماً في مديرية المدان.
أصابع الاتهام تشير إلى "أمن الحوثي": دافع الانتقام
وفجّر البلاغ القضائي قنبلة مدوية؛ إذ أكد القاضي طنين أن التحقيقات والاستدلالات الأولية أثبتت تورط قيادات أمنية نافذة تدير مركز شرطة "الهجر" الخاضع للحوثيين في التخطيط والنزول الميداني لتنفيذ الجريمة.
وتعود دوافع تصفية القاضي—حسب البلاغ—إلى ملفات انتقامية؛ حيث اتخذ القاضي طنين في فترة سابقة، أثناء عمله رئيساً لمحكمة شهارة الابتدائية، إجراءات قانونية وأحكاماً قضائية صارمة بحق هؤلاء الضباط والمشرفين الأمنيين، بعد إدانتهم في قضايا فساد مالي، ورشوة، واستغلال وظيفة، وهو ما جعلهم يتحركون لتصفيته جسدياً فور مغادرته العاصمة.
وفي ختام بلاغه، طالب القاضي المستقيل بنزع ملف القضية من الأجهزة الأمنية المحسوبة على الجناة في عمران، وإحالة القيادات المتورطة فوراً إلى النيابة الجزائية المتخصصة (محكمة أمن الدولة)، وإصدار أوامر قبض قهرية بحقهم، محذراً من أن تميع القضية يمثل رصاصة رحمة على ما تبقى من رمق للقضاء.
وتعكس هذه الفضيحة القضائية ذروة الفوضى الأمنية في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، حيث تحولت التشكيلات الأمنية التابعة للمشرفين إلى "عصابات مسلحة" تفوق سلطة القانون، وتبتز رجال العدالة والوجاهات العشائرية، مما يؤسس لمرحلة من التصفيات البينية وتأصيل شريعة الغاب وغياب المساءلة.